عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

424

اللباب في علوم الكتاب

فإن قيل : لم نكر « 1 » الماء في قوله : « من ماء » وعرفه في قوله : « مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ » « 2 » ؟ فالجواب : جاء هاهنا منكرا لأنّ المعنى : خلق كلّ دابة من نوع من الماء مختصا بتلك الدابة ، وعرفه في قوله : « مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ » لأنّ المقصود هناك : كونهم « 3 » مخلوقين من هذا الجنس ، وهاهنا بيان أنّ ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة « 4 » . قوله : « فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي » . إنما أطلق « من » على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في المفصّل ب « من » وهو « كُلَّ دَابَّةٍ » « 5 » . وكان التعبير ب « من » أولى ليوافق اللفظ « 6 » . وقيل : لمّا وصفهم بما يوصف به العقلاء وهو المشي أطلق عليها « من » « 7 » وفيه نظر ، لأن هذه الصفة ليست خاصة بالعقلاء ، بخلاف قوله تعالى : « أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ » « 8 » ، وقوله : 3845 - أسرب القطا هل من يعير جناحه « 9 » . . . . . . . . . . . . . . . البيت . وقد تقدّم خلاف القرّاء في « خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ » في سورة « إبراهيم » « 10 » . واستعير المشي للزّحف « 11 » على البطن ، كما استعير المشفر للشفة وبالعكس « 12 » ، كما قالوا في الأمر المستمر : قد مشى هذا الأمر ، ويقال : فلان ما يمشي له أمر « 13 » . فإن قيل : لم حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي ، وقد تجد من يمشي على أكثر من

--> ( 1 ) في ب : ذكر . وهو تحريف . ( 2 ) من قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] . ( 3 ) كونهم : سقط من ب . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 24 / 16 . ( 5 ) انظر معاني القرآن للفراء 2 / 257 . ( 6 ) انظر التبيان 2 / 975 . ( 7 ) المرجع السابق . ( 8 ) [ النحل : 17 ] . ( 9 ) صدر بيت من بحر الطويل ، قاله العباس بن الأحنف ، وعجزه : لعلّي إلى من هويت أطير السّرب : الجماعة من القطاة . والهمزة في ( أسرب القطا ) للنداء . القطا : طائر معروف ، واحدته قطاة والجمع قطوات وقطيات . والشاهد فيه إطلاق ( من ) على غير العاقل ، لأنه لما نادى سرب القطا كما ينادى العاقل ، وطلب منها إعارة الجناح لأجل الطيران نحو محبوبته نزلها منزلة العقلاء . وقد تقدم . ( 10 ) عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ [ إبراهيم : 19 ] . وذكر ابن عادل هناك : قرأ الأخوان هنا : « خالق السماوات والأرض » خالق اسم فاعل مضافا لما بعده ، والباقون « خلق » فعلا ماضيا ، ولذلك نصب « الأرض » . و « كُلَّ دَابَّةٍ » وكسر « السماوات » في قراءة الأخوين خفض ، وقراءة غيرهما نصب . انظر اللباب 5 / 126 . ( 11 ) في ب : الزحف . ( 12 ) المشفر للبعير ، والشفة للإنسان . اللسان ( شفر ) . ( 13 ) الكشاف 3 / 80 .